24 - 06 - 2026

مؤشرات | النشر العلمي مأساة الباحثين

مؤشرات | النشر العلمي مأساة الباحثين

النشر العلمي في الدوريات العالمية أزمة حقيقية، تواجه كبار وصغار وشباب الباحثين، وتصبح أزمة أكبر مع تدني المرتبات والدخول للباحثين، وتلك الأزمة هي الحديث المسكوت عنه في حوارات الباحثين في جميع المجالات.

خلال السنوات السبع الأخيرة، اسمع هذا الحديث من أحد أبنائي، وعن تكاليف النشر العلمي في الدوريات الدولية، والذي يرتفع بشكل مستمر، والذي تحول إلى عبء كبير مع التغييرات المتسارعة في سعر صرف الجنيه مقابل الدولار، والذي هو المحدد الرئيسي لسداد رسوم النشر، والتي لا تقل عن ألف دولار وترتفع إلى أرقام فلكية، من الصعب أن يقدر عليها الغالية العظمى من الباحثين، وربما كل الباحثين خصوصاً من صغارهم وشبابهم.

أعلم وعن تجربة عملية من إبني أن الكثير من الباحثين بل أغلبهم، يعملون في البحوث التي يقومون بها بالمجان على أن تغطي جهة البحث جزءًh من تكاليف النشر في الدوريات العلمية حول العالم، وذويهم يساعدونهم – إن كانوا قادرين - في تغطية باقي تكاليف النشر.

وسمعت وعلمت من شباب الباحثين وصغارهم وكبارهم، أنهم يقومون بعمليات ادخار شديدة مع حالة من التقشف، لشهور وسنوات لتوفير أموال بالنقد الأجنبي، لتغطية نفقات النشر للأبحاث العلمية التي يقومون بإعدادها، أو تلك التي تحت الإعداد.

أذكر هذا بمناسبة ما قرأته في بوست نشره الدكتور والعالم دكتور نادر الدين حول ما أسميه "النشر العلمي مأساة الباحثين"، حيث قال قبل أيام في تدوينه له على السوشيال ميديا،: اتصل بي رئيس تحرير برنامج الاستاذ مصطفى بكرى للحديث عن تدني مرتبات اساتذة الجامعة والذي أثاره الاستاذ بكرى الاسبوع الماضي،، فقلت له إن اساتذة الجامعة لا يتحدثون أمام الكاميرات عن هذا الأمر حفاظاً على كرامتهم وعلى مكانتهم أمام طلابهم كما وأننا أصحاب رسالة ولسنا من أصحاب الوظائف.

وأوضح بأن تدنى الرواتب منعنا من النشر العلمي الدولي وهذا يؤثر على تصنيف وترتيب الجامعات المصرية، لأن المجلات العلمية المرموقة المؤثرة في هذا الترتيب تبلغ تكلفة النشر بها 5 آلاف دولار للبحث الواحد وأقل مجلة علمية تضيف قيمة أقل للبحث المنشور وللجامعات المصرية لاتقل عن ألفي دولار للبحث الواحد، وهي أمور اصبحت طائلة وبالتالي عزفنا عن النشر العلمي الدولي.

وأضاف دكتور نادر: صحيح بعض الجامعات المصرية تصرف مكافآت للنشر العلمي العالمي ولكنها لا تتجاوز 5% من تكلفة نشر وإخراج البحث، وجامعات الخارج يتحملون قيمة النشر كاملا".

ما قاله الدكتور نادر عن النشر العلمي جزء من أزمة أكبر تواجه كل الباحثين في مختلف العلوم، وهي أزمة أكبر بين صغار وشباب الباحثين، يعيشها ليس هؤلاء من بين شباب الباحثين فقط، بل أسرهم، وهو ما يعني أن مستقبلهم محفوف بالمخاطر، ويواجهون تحديات في استكمال تقدمهم العلمي، لأن النشر في الدوريات الكبرى حول العالم، جزء من الاعتراف بهذا الجهود البحثية، والتي تخضع لتقييم علمي، لإجازة النشر، ومن بعد ذلك يصبح البحث مُعترفا به في المجال الذي يدور فيه.

ومن المتعارف عليه أن فوائد النشر في المجلات والدوريات العالمية هي بمثابة تعزيز المصداقية والاعتراف الأكاديمي، فالنشر في المجلات المحكمة ذات السمعة الدولية يضفي موثوقية عالية على نتائج الباحث، ويؤكد جودة عمله لأنه يخضع لتدقيق من قِبل خبراء عالميين.

ويضمن النشر انتشار أفكار الباحث ونتائج دراسته بين مجتمع واسع من الباحثين، مما يزيد من احتمالية الاستشهاد بأبحاثه مما يرفع من تصنيفه الأكاديمي، والنشر الدولي هو معيار رئيسي تعتمد عليه الجامعات والمؤسسات البحثية في الترقيات الأكاديمية والحصول على المناصب.

ومما لاشك فيه أن تقييم المجلات للبحوث المُقدمة للنشر العلمي يساعد في صقل مهارات الباحث وتوسيع معرفته العلمية، بخلاف توثيق الأفكار والابتكارات بشكل رسمي وتاريخي وهو ما يدعم سياسة حقوق الباحث العلمية والملكية الفكرية له.

وهنا تأتي قضية مهمة جداً تتعلق بتدني مرتبات أساتذة الجامعة وحقوقهم المالية، وتحدث هنا ولا حرج، والتجارب الشخصية والعامة هنا كثيرة، وهو ما يتطلب مراجعة شاملة، لأن أساتذة الجامعات هم وقود التعليم، وخلق أجيال من الباحثين الذي تقع عليهم مسؤولية رئيسية لبناء الوطن، وتقدمه، وتوفير دخول لهم والباحثين في الجامعات ومراكز البحوث المختلفة، ضرورة قصوى لتصبح بلادنا رقما مهماً في كل شيء، خصوصاً في البحث والابتكار.

ولاشك أن ضعف النشر العلمي في المجلات والدوريات العالمية ينعكس بالسلب على سمعة المؤسسات التعليمية والبحثية والعلمية وترتيبها الدولي، بخلاف أن تدني معدلات النشر الدولي يؤكد وجود مجموعة من التحديات والمعوقات والتي تستلزم اسهام البحث العلمي في الكشف عنها لمعرفة أسبابها وسبل التغلب عليها.

ونعود للوضع على الأرض والأسباب في تحديات النشر في الدوريات والمجلات الدولية، يرجع إلى محدودية وحالة التدني في المرتبات ودخول الباحثين في الجامعات وغيرها، وغياب أو محدودية الانفاق من جانب الدولة والجامعات، والتعليم العالي والبحث العلمي على الباحثين ونشر بحوثهم حول العالم.

القضية تحتاج إلى رؤية جديدة لدعم البحث العلمي ونشره، خصوصاً في ظل حالة العفة التي اشعر أنها سمة بين الباحثين في البلاد، وهي تلك التي عبر عنها الدكتور نادر نور الدين في تدوينته على "الفيسبوك" بقوله "اعيش دائما ببيت الشعر هذا للعظيم كامل الشناوي: "وأنا لا اشكو ففي الشكوى انحناء…. وأنا نبض عروقي كبرياء".
----------------------------------
بقلم: محمود الحضري


مقالات اخرى للكاتب

مؤشرات | النشر العلمي مأساة الباحثين